مركز الثقافة والمعارف القرآنية

229

علوم القرآن عند المفسرين

ويستنتج من ذلك أمور : 1 - إن الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأمة . وقد ظهر ذلك في عصر عثمان ، فكيف يصح ان يطلب النبي صلّى اللّه عليه وآله من اللّه ما فيه فساد الأمة ، وكيف يصح على اللّه أن يجيبه إلى ذلك ؟ وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الاختلاف . وان فيه هلاك الأمة . وفي بعضها أن النبي صلّى اللّه عليه وآله تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة . وقد تقدم جملة منها ، وسيجيء بعد هذا جملة أخرى . 2 - قد تضمنت الروايات المتقدمة أن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : إن أمتي لا تستطيع ذلك « القراءة على حرف واحد » وهذا كذب صريح ، لا يعقل نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ، لأنا نجد الأمة بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولغاتها قد استطاعت أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فكيف يكون من العسر عليها أن تجتمع على حرف واحد في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وقد كانت الأمة من العرب الفحصى ؟ ! . 3 - أن الاختلاف الذي أوجب لعثمان أن يحصر القراءة في حرف واحد قد اتفق في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وقد أقر النبي صلّى اللّه عليه وآله كل قارئ على قراءته ، وأمر المسلمين بالتسليم لجميعها ، وأعلمهم بأن ذلك رحمة من اللّه لهم ، فكيف صح لعثمان ، ولتابعيه سد باب الرحمة ، مع نهي النبي صلّى اللّه عليه وآله عن المنع عن قراءة القرآن ، وكيف جاز للمسلمين رفض قول النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأخذ قول عثمان وإمضاء عمله ، أفهل وجدوه أرأف بالأمة من نبيها ، أو أنه تنبه لشيء قد جهله النبي صلّى اللّه عليه وآله من قبل وحاشاه ، أو أن الوحي قد نزل على عثمان بنسخ تلك الحروف ؟ ! . وخلاصة الكلام : أن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن رده ، وهذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء أهل السنة لهذا القول . ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي ، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول : بأن هذه الروايات من المشكل والمتشابه ، وليس يدرى ما هو مفادها « 1 » ، مع أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر ، ولا يشك فيه الناظر إليها ، كما ذهب اليه واختاره أكثر العلماء .

--> ( 1 ) التبيان ص 61 .